اختتمت بمدينة قازان الروسية فعاليات القمة الـ 16 لمجموعة "بريكس" على مستوى الرؤساء التي عقدت على مدار ثلاث أيام (22-24) أكتوبر 2024، برئاسة الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، بعنوان "بريكس والجنوب العالمي لبناء عالم أفضل بشكل مشترك"، وتُعَدّ هذه القمة الأولى بعد انضمام خمس دول للمجموعة في يناير 2024 بينهم مصر، ليصبح عدد أعضاءها عشر دول، كما أنها أكبر تجمع دولي تستضيفه روسيا منذ توقيع العقوبات الدولية عليها في فبراير 2022 بعد حربها بأوكرانيا مما يؤكد فشلها في عزل موسكو دوليا، وتركز القمة على قضايا الأمن الغذائي والطاقة، مع إيلاء اهتمام خاص للتطورات بمنطقة الشرق الأوسط، وشارك في القمة (36 دولة) و 6 منظمات دولية، بحثوا قضايا الجنوب وحل الأزمات الإقليمية والدولية الراهنة، وتحسين بنية العلاقات الدولية، وقد شارك بالقمة الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي"وعقد لقاءات مع "بوتين" وعدد من قادة الدول الآخرين لبحث سبل التعاون المشترك والارتقاء بدور "بريكس" في النظام الدولي، ورغم الطابع الاقتصادي لنشأة "بريكس" وتوسعها إلا أنها أصبحت رمز للدعوة لتغير النظام الدولي من آحادي القطبية لمتعدد الأقطاب لاسيما وأنها تضم دول كبرى بآسيا (روسيا،الصين،الهند) كما ترمز لأهمية دول الجنوب (البرازيل، جنوب أفريقيا ) فضلا عن ال\ول النامية(مصر، إيران)، وتمثل مجموعة "بريكس"حاليا نحو (45%) من سكان العالم و(25%) من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مما يضيف المزيد من الزخم على أهمية دعوتها لتغير النظام الدولي الذي كثرت مؤشراته في ظل المتغيرات الجيوسياسية الإقليمية والدولية الراهنة.
*الأهمية الجيوسياسية للمشاركة المصرية بالقمة:
أنشأت "بريكس" في سبتمبر 2006 وضمت (روسيا، البرازيل، الصين، الهند) وحددت هدفها في إنهاء النظام الدولي الحالي آحادي القطبية الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية عبر تحسين الوضع الاقتصادي العالمي وإصلاح المؤسسات المالية، وتعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الأربع لتحقيق مستقبل أفضل لهم، ثم عام 2011 انضم لها جنوب أفريقيا، وفي يناير 2024 انضم لها خمس دول هي (مصر، إيران، السعودية، إثيوبيا، الإمارات) مما ضاعف أهمية المجموعة نظرا لأهمية كلا من تلك الدول، وتصاعدت أهميتها عام 2023 حيث ساهمت بنحو (31.5)% من حجم الاقتصاد العالمي، مقابل (30.7) % لدول "السبع الصناعية" التي تضم (كندا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان، والمملكة المتحدة البريطانية، والولايات المتحدة الأمريكية)، مع توقعات باستمرار تفوقها حال استمر نمو الاقتصاد الصيني والهندي بمعدلاته الحالية، وهو ما دفع روسيا والصين للتأكيد على تغير النظام الدولي وتحوله من نظام "آحادي القطبية" لنظام ثنائي أو متعدد الأقطاب على أن تكون "بريكس" أحد تلك الأقطاب الجديدة لإحداث توازن مع السيطرة والنفوذ الأمريكي على الساحة الدولية التي انفرد بها منذ ثلاث عقود.
وتكتسب المشاركة المصرية بقمة "بريكس" بقازان الروسية أهمية خاصة، تنبع من أنها القمة الأولى التي تشارك بها مصر بعد انضمامها رسميا للمجموعة في يناير 2024، وتبرهن على الحرص المصري للتواصل مع الدول الكبرى لإحداث توازن في العلاقات الخارجية للدولة، كما تنبع أهميتها من الأهمية المتصاعدة للمجموعة التي أصبحت أكبر تجمع دولي هام بعد مجموعة السبع الصناعية الكبرى،وقد شهدت مشاركة الرئيس "السيسي" بالقمة عدد من الفعاليات أبرزها ما يلي:
-توافق مصري روسي لمعالجة القضايا الإقليمية: وصل الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" مساء يوم 22 أكتوبر 2024، لحضور قمة "بريكس+"، غداة ذلك عقد جلسة مباحثات موسعة مع نظيره الروسي "فلاديمير بوتين"، رحب خلالها الأخير بزيارة الرئيس "السيسي" لبلاده ومشاركة مصر الأولى كعضو بتجمع "بريكس"، وأكد "بوتين" أن انضمام مصر للتجمع يمثل إضافة لمسارات عمل المجموعة ويساهم في تعزيز دوره كمنصة لتعزيز التعاون متعدد الأطراف بين الدول النامية، بينما جدد الرئيس "السيسي" على الحرص المصري للإنخراط في فعاليات وأطر التجمع، وأثنى على الجهود الروسية خلال رئاستها العام الحالي للتجمع، وأكد أهمية المجموعة لمثر لتعزيز التعاون مع روسيا ومع كافة دولها، وشهد اللقاء توافق الرئيسين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، خاصة الدعوة لوقف إطلاق نار فوري في غزة ولبنان، وخفض التصعيد بالمنطقة تجنيا لتوسع الحرب لتصبح "حرب شاملة، كما دعا الرئيس "السيسي" لضرورة تسهيل عمليات وصول المساعدات الإنسانية لقطاع غزة والحفاظ على سيادة الدولة اللبنانية،جدير بالذكر أن العلاقات المصرية الروسية شهدت طفرة كبيرة خلال العقد الماضي حيث تم توقيع إتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين عام ٢٠١٨، وما تبعه من ضخ استثمارات روسية ضخمة في مصر منها مشروع إنشاء المنطقة الصناعية الروسية فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ومشروع إنشاء محطة الضبعة لتوليد الكهرباء بالطاقة النووية.
-ترحيب مصري بالمشاركة في قمة "بريكس": ألقى الرئيس "عبد الفتاح السيسي"كلمة مصر خلال مشاركته بأعمال الجلسة العامة الأولى لقمة مجموعة "بريكس"، وأكد "اعتزاز مصر بمشاركتها الأولى كعضو في المجموعة وحرصهاعلى الانخراطبشكل فاعل فى جميع آليات عمل المجموعة لتطوير العلاقات الاستراتيجية بين أعضائها، ودعا بالكلمة لضرورة العمل بقوة نحو "ضمان فاعلية المنظومة الدولية، التى أظهرت بوضوح عجزها عن التفاعل مع الكارثة الإنسانية التى يشهدها قطاع غزة ولبنان، رغم التحذيرات المستمرة من العواقب الوخيمة لهذا الصراع وتوسعه"، وعول على الدور الحيوي الذى يمكن لـ"بريكس" القيام به لتطوير المنظومة الدولية، وأشار لأولويات مصر في هذا المجال الممثلة في (تعزيز التعاون المشترك لاستحداث آليات مبتكرة وفعالة لتمويل التنمية، لمبادلة الديون من أجل المناخ، مع تعظيم الاستفادة من الآليات التمويلية القائمة، في ظل ارتفاع فجوة تمويل التنمية إلى حوالى "4" تريليونات دولار فى الدول النامية)، ودعا الرئيس "السيسي" لضرورة اتخاذ خطوات حقيقية وفاعلة، لإصلاح الهيكل المالي العالمي، وتعزيز التعاون بين دول "بريكس" بكافة المجالات، كما شارك الرئيس "السيسي" في قمة "بريكس بلس" وألقى كلمة مصر بها ودعا لتعزيز التعاون بين دول الجنوب وتكثيف تبادل الخبرات فى مختلف المجالات.
- لقاءات مصرية دولية موسعة: حرص الرئيس "السيسي" على عقد لقاءات ثنائية موسعة مع عدد من قادة مجموعة "بريكس"، حيث عقد اجتماع مع نظيره الإيراني "مسعود بزشكيان" وتوافقا على أهمية تطوير العلاقات الثنائية، وأكد "السيسي" على أهمية نزع فتيل التوتر الإقليمي وتفادي التصعيد بالمنطقة لما له من تداعيات سلبية على الأمن والاستقرار الإقليمي، كما التقى الرئيس "السيسي" مع نظيره الصيني "شي جين بينج"، ودعا لتعزيز العلاقات الثنائية وتطويرها في مختلف المجالات، لاسيما بعدتوقيع اتفاق الشراكة الإستراتيجية الشاملة بينهما في عام 2014، وثمن الرئيس "السيسي" دور الصين المشارك في عدد من المشروعات الاقتصادية الكبرى بمصرلاسيما في مجالات البنية التحتية والنقل والسكك الحديدية، وتطرق الرئيسين للتطورات بالشرق الأوسط، وأكدا أهمية العمل الفوري على خفض التصعيد وطالبا بضرورة التوصل لحل دائم وشامل للقضية الفلسطينية بناء على حل الدولتين، كما عقد الرئيس "السيسي" اجتماعا مع رئيس جنوب أفريقيا"سيريل رامافوزا"، أكدافيه الرئيسان ضرورة الارتقاء بالعلاقات الثنائية بين البلدين لتكون مثالاً يُحتذى على مستوى القارة السمراء، عبر الاستمرار في تعزيز وتنويع أطر التعاون على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية.
-اهتمام مصري بالقضية الفلسطينية: بحث الرئيس "السيسي" القضية الفلسطينية مع كافة الرؤساء الذين اجتمع بهم خلال قمة "بريكس"، كما عقد الرئيس "السيسي" اجتماع مع الرئيس الفلسطيني "محمود عباس"، وجدد موقف "مصر الثابت والداعم للسلطة الفلسطينية، ولضرورة توحيد الجهود للحفاظ على مقدرات الشعب الفلسطيني، وحقوقه المشروعة في إقامة دولته وفقاً لقرارات الشرعية الدولية، ورفض مصر أي مساع أو محاولات لتصفية القضية الفلسطينية"، كما بحثا جهود وقف الحرب الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني بقطاع غزة والانتهاكات في الضفة الغربية، ومستقبل المفاوضات التي تستضيفها القاهرة لتحقيق ذلك.
*فعاليات ونتائج هامة:
شهدت قمة "قازان" عقد قمتين هما (قمة بريكس) التي ضمت دولها العشر، واجتماع (بريكس بلس) الذي شهد حضور 16 دولة هم أصدقاء المجموعة والساعيين للإنضمام لها، وشهدتالقمتين فعاليات هامة قادها الرئيس الحالي للقمة الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، كما تبنت القمة "إعلان قازان" الذي يلخص نتائجها والأفكار التي توافقت عليها دولها، وهذا كما يلي:
-مساع روسية لتطوير "بريكس":تترأس روسيا مجموعة "بريكس" هذا العام، ولها 3 أولوياتهي (السياسة، والأمن، والتعاون في الاقتصاد والتمويل والتبادلات الإنسانية والثقافية)، وخلال العام الحالي نظّمت أكثر من 200 حدث سياسي واقتصادي واجتماعي، لتعزيز سبل تنفيذ المزيد من التعاون بين دول "بريكس"، ودمج الأعضاء الجُدد مع القدامى، وحلّ النزاعات الإقليمية، كما دعت موسكو لبحث إنشاء منصة مدفوعات رقمية لمجموعة "بريكس" باسم "بريكس بريدج"، كما تدعم موسكو فكرة توسع المجموعة التي تعارضها بكين، حيث كشف "بوتين" عن وجود 13 دولة تسعى للانضمام لـ"بريكس" منهم (تركيا، أذربيجان، ماليزيا)وتقدمت بطلبات رسمية للانضمام إلى التجمع، وسيقوم الأخير بدراستها لبحث إمكانية التوسع مرة آخرى.
-اجتماعات ثنائية متعددة:شهدت قمة "بريكس" لقاءات منفصلة متعددة حيث عقد "بوتين" محادثات منفصلة أكد الكرملين أنها ركزت على مناقشة آليات تعزيز التنسيق في ظروف متغيّرة عالمياً، وباتجاه توسيع الشراكات، والعمل المشترك في إطار التوجهات المشتركة لدعم عالم متعدّد الأقطاب وأكثر عدلاً، وقد عقد "بوتين" اجتماع منفصل مع نظيره الصيني "شي جينبينغ" أكدا فيه ضرورة العمل على تطوير تعاونهم الاستراتيجي الذي تعزز بقوة بعد الدعم الصيني لموسكو منذ حربها في أوكرانيا ورفضها توقيع أي عقوبات عليها، كما عقد "بوتين" اجتماع مع رئيس جنوب أفريقيا "سيرير رامافوزا" أكد خلاله على أن روسيا وجنوب أفريقيا تؤيدان إقامة نظام عالمي عادل، ويقومان بتنسيق عملهما إلى حد كبير على الساحة الدولية، وذلك بهدف إنشاء وتشكيل نظام عالمي عادل ومتعدّد الأقطاب، ومع رئيس الوزراء الهندي "ناريندرا مودي" الذي أشاد بعلاقات بلاده التاريخية العميقة مع روسيا وأشادت موسكو بالشراكة الاستراتيجية المميزة بشكل خاص بينهم، كما عقد "بوتين" اجتماع مع نظيره التركي "رجب طيب إردوغان"وبحثا التعاونالثنائي والتطورات الإقليمية والوساطة التركية لحل الأزمة الأوكرانية، كما اجتمع "بوتين" مع "بزشكيان" وأعلنا قرب التوصل للتوقيع على اتفاق الشراكة الشاملة بين الدولتين.
-الدعوة لوقف الحرب بالشرق الأوسط: اجتمع "بوتين" مع الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" ودعا لضرورة وقف اطلاق النار بالشرق الأوسط وحل القضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين، وحذر "بوتين" من إن "الوضع في الشرق الأوسط مثير للقلق بسبب تفاقم صراع طويل الأمد بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وقد يتطور إلى حرب شاملة بالمنطقة"، كما دعا الرئيس الصيني "شي جين بينج" إلى وقف إطلاق النار في قطاع غزة ولبنان على الفور، وأكد "بوتين" أن الحرب بقطاع غزة أصبحت "أكثر دموية في سلسلة طويلة من الاشتباكات، كما عارض أي مظاهر إرهابية"، وأكد أن دول المنطقة تأثرت بتلك الحرب وزادت المواجهة بين إسرائيل وإيران بشكل حاد وحذر من وضع الشرق الأوسط بأكمله على شفا "حرب شاملة"، وطالب "بوتين" بإطلاق عملية سياسية شاملة للتسوية في الشرق الأوسط، على أساس المبادئ الدولية المعترف بها لإنهاء العنف بالمنطقة.
-طرح إنهاء الحرب بأوكرانيا وفق الشروط الروسية:أكد "بوتين" إن "أوكرانيا استُخدمت وتُستخدم لخلق تهديدات حرجة للأمن الروسي حيث يتم تجاهل مصالحنا الحيوية ومخاوفنا المشروعة بشأن المساس بحقوق الناطقين بالروسية، وهدفهم الحالي هو إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا"، وأوضح أنه يتم استخدام العقوبات الأحادية الجانب وهي غير قانونية (في إشارة للعقوبات المفروضة على روسيا منذ حربها في أوكرانيا) كذريعةللتدخل في الشؤون الداخلية للدول تحت شعار "الاهتمام بالديمقراطية وحقوق الإنسان ومكافحة تغير المناخ"، وهذه طرق قديمة وأساليب تؤدي إلى ظهور صراعات جديدة وتفاقم التناقضات القديمة بين الدول الكبرى، وأوضح "بوتين" أنه أبلغ قادة دول "بريكس"بترحيبه بعرض عدد منهم التوسط لإنهاء الحرب مع أوكرانيا، حيث سبق لتركيا والهندوالصينطرح وساطتهم بين موسكو وكييف لإنهاء الحرب.
-الإرتقاء بدور مجوعة "بريكس":دعا الرئيسالصينيدول مجموعة بريكس لأن تلعب دوراً قيادياً في إصلاح نظام الحوكمة الاقتصادية العالمية وتعزيز التعاون المالي والاقتصادي،لأنهايجب أن تصبح القوة الرئيسية للتنمية المشتركة وتقود إصلاح نظام الحوكمة الاقتصادية العالمية، وتساهم بوضع ملفات التنمية على رأس الأجندة الاقتصادية والتجارية الدولية"، وأكد أن بكين تحث دول مجموعة "بريكس" على تعزيز الحوار البيني للارتقاء بدور المجموعة ككل، وتعهد بدعم بكين لدول الجنوب العالمي"، بينما أكد وزير الدولة للشؤون الاقتصاديةالإماراتي "أحمد بن علي الصايغ" "إن الإعلان سيكون خطوة مهمة في تعزيز التعاون، و"إنشاء إطار مقبول بشكل عام لمواجهة التحديات المستقبلية وتحقيق أهدافنا المشتركة"، بدوره دعا رئيس جنوب إفريقيا "سيرير رامافوزا" دول "بريكس" للعمل معا لمكافحة الإرهاب والجرائم السيبرانية.
-مضمون "إعلان قازان":أعلن "بوتين" إعتماد مجموعة "بريكس"لإعلان "قازان" الذي صدر بختام القمة بعنوان "تعزيز التعددية من أجل التنمية والأمن العالميين العادلين"، ويؤكد على أهمية تعزيز الروابط البنكية بين دول المجموعة، كما يؤكد ترحيب قادة المجموعة باستخدام العملات الوطنية في التعاملات المالية بين دولها وشركائهم التجاريين،كما جدد الإعلان دول "بريكس" القرار المتخذ في إطار استراتيجية الشراكة الاقتصادية للمجموعة حتى العام 2025 لإصلاح منظمة التجارة العالمية.
* تداعيات جيوسياسية:
تعدقمة"بريكس" في مدينة "قازان"الروسية من أهم وأنجح قمم المجموعة لأنها جمعت الأعضاء المؤسسين والجدد لأول مرة في قمة رئاسية، كما شهدت توافقا بين مختلف الدول على مبادئ وأفكار "بريكس" وأبرزها إصلاح المؤسسات المالية الدولية وتغير النظام الدولي ليصبح أكثر عدلا وفاعلية في معالجة قضايا الدول النامية ودول الجنوب، ولذا فهناك العديد من التداعيات الجيوسياسية للقمة لعل أبرزها ما يلي:
-تعزيز الدور المصري الإقليمي:تكتسب المشاركة المصرية في قمة "بريكس" 2024 أهمية كبرى حيث أنها تعزز الدور المصري الإقليمي عبر تواجدها في أكبر تجمع دولي للدول النامية كما تتضاعف هذه الأهمية من أهمية "بريكس" نفسها التي تعمل على تغيير النظام الدولي الحالي وهو حال تم سيكون له العديد من التداعيات على الشرق الأوسط وسيكون لمصر دور هام في التفاعلات الأقليمية لتحقيق ذلك، وعلي الصعيد الثنائي فإن المشاركة المصرية والعضوية الكاملة لمصر في المجموعة تفتح آفاقاً واسعة أمام الصادرات المصرية لدول "بريكس" كما تعمل على جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية لها وزيادة معدلات السياحة عبر عقد اتفاقيات اقتصادية مميزة مع تلك الدول، كما أن مصر سيمكنها الاستفادة من كافة المشروعات الاقتصادية والتنموية التي تطرحها المجموعة، ومن جهة آخرى ستعزز مصر علاقاتها مع الدول الكبرى (روسيا، الصين، الهند) من خلال عضويتهم في "بريكس"، جدير بالذكر أن معدل التبادل التجاري بين مصر ودول "بريكس" قد ارتفع ليصل إلى (31.2) مليار دولار عام 2022.
- طرح وساطة "بريكس" لحل أزمة "سد النهضة":لعل موقف دول "بريكس" من أزمة "سد النهضة" الأثيوبي متوافق مع مقتضيات الأمن المائي المصري، لأنها تؤكد على ضرورة الحفاظ على حصة دول المصب مصر والسودان من نهر النيل دون إضرار،ولذا يمكن طرح وساطة روسية أو صينية لحل الأزمة بين مصر وأثيوبيا التي تتعنت منذ 13 عام وترفض التوصل لحل لها، جدير بالذكر أن إثيوبيا بدأت ببناء "سد النهضة" على نهر النيل لتوليد الكهرباء لديها منذ عام 2011 دون أخطار مصر ثم ماطلت وتعنت في المفاوضات الخاصة بالاتفاق على ملء السد لمدة عشر سنوات وشرعت في الملء الأول والثاني والثالث له، وستبدأ في يوليو القادم مرحلة الملء الأخيرة مما سيؤثر على حصص مصر والسودان من مياه نهر النيل، ما وصفته مصر بعامل للتوتر وعدم الاستقراربالمنطقة.
-توظيف موقف "بريكس" للتهدئة بالشرق الأوسط:تتبنى دول "بريكس" منذ بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2024 ثم بدء الاعتداءات على لبنان في سبتمبر 2024 موقفا داعما للتهدئة بالمنطقة لاسيما من قبل روسيا والصين، ولذا يمكن توظيف ذلك الزخم للدفع بوقف إطلاق النار بالشرق الأوسط ثم العمل على تنفيذ حل الدولتين من خلال تفعيل المكانة الدولية "لبريكس" التي تحظى أعضاءها بعضوية مجلس الأمن الدولي وعدد كبير من المنظمات الإقليمية والدولية الفاعلة التي يمكنها الضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار وإعلان الدولة الفلسطينية، وما يتبع ذلك من ترتيبات أمنية إقليمية حيث يمكن لروسيا والصين الضغط على إيران وأذرعها بالمنطقة للالتزام بوقف إطلاق النار.
-كسر العزلة الدولية على روسيا: لعل أهم ما يميز قمة "بريكس" بقازان أنها أكبر تجمع عالمي شمل دول كبرى وشارك به أكثر من 26 دولة، فضلا عن الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو جوتيريش" الذي أشاد بالقمة وتوافق مع أفكارها، وهو ما اعترضت عليه كييف وبعض الدول الأوروبية حيث انتقدوا حضوره القمة بروسيا المفروض عليها عقوبات دولية، مما يؤكد فشل هذه العقوبات في تحقيق هدفها وكذلك نجاح موسكو في تجاوز محاولات واشنطن والدول الغربية لعزلها عن المجتمع الدولي حيث شهدت القمة حضور دول أسيوية وأفريقية، مما يعزز الموقف الروسي في مواجهة الغرب.
- التقارب الهندي الصيني:شهدت القمة تقارب بين الهند والصين سينعكس إيجابا على مجمل التطورات الاقتصادية والأمنية بجنوب وجنوب شرق آسيا، حيث أعلن وزير الخارجية الهندي "فيكرام ميسري"غداة القمة "أن الهند والصين توصلتا إلى اتفاق على طول خط السيطرة الفعلية"، وهذا يمهد لترسيم الحدود بينهم التي ثارت اشتباكات مسلحة حولها عام 2020 أسفرت عن وقوع ضحايا وجددت المخاوف من اندلاع حرب بين الجاريين النوويين، ورغم تصاعد حدة التنافس بين نيودلهي وبكين واصطفاف الأولى في المحاور الأقليمية الامريكية بآسيا مثل (كواد) لمحاصرة النفوذ الصيني بمنطقة الهندوباسيفيك، إلا أن الهند تعمل على تخفيف التوتر مع الصين وإحداث التوازن في علاقاتها الخارجية بين المحور الشرقي (روسيا، الصين) والغربي.
-مساع إنهاء "الدولرة": ظهر "بوتين" بختام قمة "بريكس" بقازان وهو ممسك بعملة ورقية عليها أعلام الدول الخمس المؤسسة "لبريكس" وأشارت مصادر روسية أن هذه العملة الموحدة الأولية للمجموعة للتخفيف من الاعتماد على الدولار في التبادل التجاري الدولي فيما بينهم لاسيما بعد فرض عقوبات على روسيا، بيد أن ثمة صعوبات عدة تعرقل إطلاق عملة موحدة أبرزها تباين مستوى الاقتصاد لكل دولة بالمجموعة، رغم أن الصين وروسيا بدأتا بالفعل عملية التخفيف من الاعتماد على الدولار الأمريكي، بيد أن إطلاق عملة موحدة "للبريكس" تكون بديلا "للدولار" مازال أمر يحتاج للبحث والمناقشة لأنه سيرتبط بتغير النظام الدولي وإنهاء هيمنة "الدولار"على التعاملات التجارية الدولية، فقد أشارت رئيسة "بنك التنمية الجديد" "ديلما روسيف" أن "العملات المحلية ليست بديل للدولار بل هي عملية لتجاوز النظام الأحادي القطب المهيمن في العالم الذي سيحل محله نظام متعدد الأقطاب".
ومنذ بدء الحرب الأوكرانية يتصاعد اتجاه "إنهاء الدولرة" المقصود به تقليص الاعتماد على الدولار الأمريكي كعملة دولية لاسيما بعد فرض العقوبات الغربية على روسيا، وقد تعددت مظاهر ذلك حيث اشترت البنوك المركزية كمية قياسية من الذهب عام 2022 بزيادة قدرها (18%) مقارنة بعام 2021 وذلك لرغبتها لاسيما بالدول النامية في تنويع احتياطياتها بعيدا عن الدولار، كما أوضحت بيانات صندوق النقد الدولي انخفاض حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية من (66%) عام 2003 إلى (47%) عام 2022، إلا أن "الدولار" لايزال العملة الاحتياطية الأكثر استخداماًيليه (اليورو الأوروبي، الين الياباني)، ورغم هذا سيبقى "الدولار الأمريكي" لعقودمقبلة العملة الاحتياطية الرائدة في العالم لأنه يستخدم في (74%) من المعاملات التجارية الدولية، و(90%) من عمليات تبادل العملات، و(60%) من جميع احتياطيات العملات الأجنبية التي تحتفظ بها البنوك المركزية.
- الدعوة لتغير النظام الدولي: لا يتردد الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" في إعلان عزمه العمل على تحويل النظام الدولي الحالي من نظام آحادي القطبية تسيطر عليه الولايات المتحدة الأمريكية لنظام دولي متعدد الأقطاب أو ثنائي القطبية، وهو ما جدده في ختام قمة "بريكس" حيث دعا لإقامة "نظام دولي أكثر عدالة" وأكد أن هناك "قوى معتادة على التفكير والتصرف من منظور الهيمنة على الجميع وكل شيء".
مما سبق، نجد أن قمة "بريكس" بقازان الروسية حققت نجاحا باهرا للمجموعة وكسرت العزلة الدولية لروسيا، وساهمت مشاركة الرئيس "عبد الفتاح السيسي" بها في تعزيز الدور الإقليمي المصري لاسيما وأنها أجمعت على ضرورة وقف إطلاق النار بالشرق الأوسط والتهدئة بالمنطقة، كما أن القمة تؤكد الإرهاصات على تغير النظام الدولي لمتعدد الأقطاب وهو الأمر الذي سينعكس على الترتيبات الإقليمية بالشرق الأوسط.